ابن قيم الجوزية
321
الروح
من الوجل والخجل والحب والحياء وشهود نعم اللّه وجناياته هو فيخشع القلب لا محالة فيتبعه خشوع الجوارح وأما خشوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعا وتكلفا والقلب غير خاشع ، وكان بعض الصحابة يقول أعوذ باللّه من خشوع النفاق ، قيل له وما خشوع النفاق ؟ قال أن يرى الجسد خاشعا والقلب غير خاشع . فالخاشع للّه عبد قد خمدت نيران شهوته وسكن دخانها عن صدره فانجلى الصدر وأشرق فيه نور العظمة فماتت شهوات النفس للخوف والوقار الذي خشي به وخمدت الجوارح وتوقر القلب واطمأن إلى اللّه وذكره بالسكينة التي نزلت عليه من ربه فصار مخبتا له والمخبت المطمئن فإن الخبت من الأرض ما اطمأن فاستنقع فيه الماء ، فكذلك القلب المخبت قد خشع واطمأن كالبقعة المطمئنة من الأرض التي يجري إليها الماء فيستقر فيها ، علامته أن يسجد بين يدي ربه إجلالا له وذلا وانكسارا بين يديه سجدة لا يرفع رأسه عنها حتى يلقاه . وأما القلب المتكبر فإنه قد اهتز بتكبره عربا فهو كبقعة رابية من الأرض لا يستقر عليه الماء فهذا خشوع الإيمان . وأما التماوت وخشوع النفاق فهو حال عند تكلف إسكان الجوارح تصنعا ومراءاة ونفسه في الباطن شابة طرية ذات شهوات وإرادات فهو يتخشع في الظاهر وحية الوادي وأسد الغابة رابض بين جنبيه ينتظر الفريسة . فصل [ شرف النفس ] وأما شرف النفس فهو صيانتها عن الدنايا والرذائل والمطامع التي تقطع أعناق الرجال فيربأ بنفسه عن أن يلقبها في ذلك ، بخلاف التيه فإنه خلف متولد بين أمرين إعجابه بنفسه وإرادته بغيره فيتولد من بين هذين التيه والأول يتولد بين خلقين كريمين إعزاز النفس وإكرامها وتعظيم مالكها وسيدها أن يكون عبده دنيا وضيعا خسيسا فيتولد من بين هذين الخلقين شرف النفس وصيانتها ، وأصل هذا كله استعداد النفس وتهيؤها وإمداد وليها ومولاها لها فإذا فقد الاستعداد والإمداد فقد الخير كله . فصل [ الفرق بين الحمية والجفاء ] وكذا الفرق بين الحمية والجفاء فالحمية فطام النفس عن رضاع اللوم من ثدي هو مصب الخبائث والرذائل والدنايا ولو غزر لبنه وتهالك الناس عليه فإن لهم فطاما تنقطع معه الأكباد حسرات فلا بد من الفطام فإن شئت عجل وأنت محمود